أحمد بن يحيى العمري

5

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

[ الجزء السابع ] مقدمة لا يغمض لأرباب الأقلام جفن ، ولا يهدأ لهم بال ، ولا يسلك لهم بصر ما لم يروا أن نتاجهم قد اصفرّ سنبله ، وآتى أكله ، وردّدت الأروقة رجع صدى نتاجه من طالب العلم فيما كتبه . ولعمري إنّ هذا الطموح لهو أحقّ بما هو مخطوط من تراث الأمم من غيره ؛ لأنّ جهد العلوم لا ينمو غرسه إلّا فيما هو موروث من مداد أولئك الأئمة الأعلام الذين ذابت أفئدتهم ، وتقرّحت أجفانهم بين المحابر والمنابر ، ولم تثن عزيمتهم عوادي الزمن ، أو غضب الأيام ؛ وإنّما كسروا قيود المحال ، وشمّروا عن سواعد الجدّ ، فجادت نفوسهم بزاد المعاد الذي ما فتئت الأمم تتبارى متفاخرة به في ميدان سباق العلوم والآداب . لقد حقّ ل ( شهاب الدين أبو العبّاس ، أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلّي القرشي العمري الشافعي القاضي الكبير ، الإمام الأديب البارع ) ( 700 - 749 ه ) أن تبصر جهوده النور ، كما كان يطمح إليها ، وعلى وفق مراده ، لكنّما ذلك لم يكن بالأمر اليسير ، فالنسخة التي قام عليها التحقيق تناءت عن زمنة ، لما خالطها من جهالة لا يمكن أن تكون إلا من فعل النسّاخ المتكسبين في تحرير المخطوطات ، ممّا وقعوا فيه من هنات ، لا يقوى أحد على أن ينسبها إلى مؤلفها الذي يشهد له ببراعة الخط ، وجودة الأسلوب ، والتصرّف الرفيع في صياغة العبارة ( المسجوعة ) الموشّاة بأبهى الصور البلاغية التي عهدت في قلم ابن فضل اللّه ؛ لأنه كان وزيرا للإنشاء ، خلفا لأبيه ، وزير الإنشاء عند حكام مصر آنذاك ؛ لذا عجّت المخطوطة بالكثير من اللحن والخطأ الإملائي ، وإهمال النقاط ، وإضافة الهمزة إلى كلمة ( ابن ) الواقعة بين اسم الابن وأبيه ، والاستعاضة بالمدّة الخنجرية عن الألف في مفردات ، وعدم استعمالها في مفردات أخر ، ممّا يدلّ على أن أقلاما عديدة تعاورت على نسخ المخطوطة ؛ إذ وردت بعض الحروف معجمة تارة ، وغير معجمة تارة أخرى ، كالباء والياء والنون والغين ؛ وإن كانوا قد توحّدوا في قلب الهمزة ياء ، في مثل : فوايد ، ومسائل والسايل .